مجمع البحوث الاسلامية
178
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وقال : ] يعني أنّ هذا الأمر في الصّدقة المطلقة غير المحدودة المعيّنة ، ويؤيّده أنّ السّورة مكّيّة ، والزّكاة المحدودة فرضت بالمدينة في السّنة الثّانية من الهجرة . وقيل : إنّه في الزّكاة المفروضة المحدودة في الأقوات الّتي هي العشر وربع العشر . وقد روي عن أنس بن مالك ، وهو إحدى الرّوايتين عن ابن عبّاس ، وهو قول الحسن وطاووس وزيد بن أسلم وغيرهم ، ويردّ عليه الإجماع على أنّ السّورة مكّيّة ولم يصحّ استثناء هذه الآية منها ، إلّا أن يقال : مرادهم إنّ الإطلاق فيها قيّد بعد الهجرة بالمقادير الّتي بيّنتها الزّكاة ، كأمثالها من الآيات المكّيّة الّتي ورد فيها الأمر بالزّكاة . وقد صرّح بعضهم بأنّ الزّكاة المقيّدة المعروفة نسخت فرضيّة الزّكاة المطلقة ، والنّسخ عند السّلف أعمّ من النّسخ في عرف الأصوليّين ، فيدخل فيه تخصيص العامّ . [ ثمّ نقل أقوال المفسّرين في النّسخ وقال : ] وهذا هو الصّواب ، ومعناه نسخ فرضيّتها المطلقة ، فلم يبق بعد فرض الزّكاة المحدودة إلّا صدقة التّطوّع ، كما هو صريح قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم للأعرابيّ لمّا سأله بعد أن أخبره بالزّكاة المفروضة : هل عليّ غيرها ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ، إلّا أن تطوّع » على أنّ الزّكاة المحدودة المعيّنة لا يمكن أداؤها يوم الحصاد ، وما تأوّلوه في ذلك فهو تكلّف . فإن قلت : أليس إطعام المعدم المضطرّ واجبا على من علم بحاله ؟ قلنا : الكلام في الحقّ الواجب على الأعيان في الأموال بشروطها المعروفة ، وإغاثة المضطرّ من الواجبات الكفائيّة العارضة لا العينيّة الثّابتة . والحصاد بفتح الحاء وكسرها مصدر حصد الزّرع ، إذا جزّه ، أي قطعه ، كما قال في « الأساس » . قرأه ابن كثير ونافع وحمزة بالكسر ، والباقون بالفتح . [ ثمّ نقل قول الفخر الرّازيّ في القول الثّالث من المبحث الثّاني وقال : ] ونقول : إنّ الحقّ المراد بها كان معلوما عندهم ، وهو الصّدقة المطلقة المعتادة الّتي ذكرنا بعض الرّوايات عن السّلف فيها ، والحديث الّذي ذكره رواه ابن ماجة عن فاطمة بنت قيس بسند ضعيف لا يحتجّ به ، على أنّه صريح في أنّه ورد بعد فرض الزّكاة بالمدينة ، فلا يمكن تحكيمه في تفسير آية مكّيّة نزلت قبل فرض الزّكاة المذكورة . [ ثمّ نقل قول الفخر الرّازيّ في المبحث الثّالث وقال : ] بعبارته السّقيمة ، وخطأ المعنى فيها أشنع من خطأ العبارة ، فليست الآية في الزّكاة . والحصد في اللّغة : جزّ الزّرع لا مطلق القطع ، وإنّما يطلق على غيره مجازا أو تغليبا ، فجني الزّيتون ليس من الحصد ولا القطع ، وليس عود الضّمير إلى آخر ما ذكر في الآية واجبا . والآخر هو الرّمّان ، فإن لم يعد الضّمير إليه وحده لاستحالة أن يكون هو الّذي ثبت الحقّ فيه وحده ، فالظّاهر رجوعه إلى جملة المذكورات بتقدير اسم الإشارة كما مرّ قريبا ، أو إلى ما يحصد منه حقيقة لا تغليبا وهو الزّرع ، والأوّل هو الّذي يؤيّده التّفسير المأثور .